نفسُ عصامٍ سودت عِصاما…

Working_Together_Teamwork_Puzzle_Concept2

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله…

جريت هوفستيد Geert Hofstede عالم الاجتماع المشهور بل هو صاحب ابرز نموذج مستخدم للمقارنة بين ثقافات العمل لدى شعوب العالم…

لقد جاوز الثمانين عاما من عمره ولا يزال يبحث ويطور في نظريته, وقد أضاف بُعديين جديدين لنموذجه في بداية العام الماضي.

يرتكز بحثي لمرحلة الدكتوره على نموذجه للمقارنة بين الثقافات والذي ابتكره عام 1978 م أي قبل مولدي.

كنت محتاجا للحصول على ترجمة جاهزة لهذا النموذج العالمي الذي سبق استخدامه في أكثر من بلد عربي ومنها السعودية … فقمت بالبحث في الانترنت ولم اجد ترجمة للنسخة الجديدة منه (VSM 08) وبعد العودة لصفحة البرفسور هوفستيد والتي تتميز بسهولة الحصول على المعلومة من خلالها, بل هي عبارة عن موقع شخصي أشبه بالمدونات حيث تجد في نهاية كل صفحة إيميله الشخصي للإجابة على أي استفسار من الزوار كما أن جميع محتويات هذه الصفحة مجانية للاستخدام في الأغراض البحثية.

لقد ظننت أن الإيمل مجرد إظهار لحسن النية والرغبة في المساعدة فكيف لرجل جاوز الثمانين أن يتجاوب مع زوار موقعه والذين سيكونون بأعداد كبيرة لتميز المادة المقدمة …

حين عجزت عن الحصول على النسخة العربية الجديدة قلت لنفسي لن أخسر شيء فلأنظر هل فعلا سيرد علي؟ هل يحسن التعامل مع الكمبيوتر اصلاً؟ ربما! سوف نرى …

0806134Geert

ارسلت رسالة بسيطة ومختصرة مفادها أني باحث في مجال الثقافة الوطنية وارغب في الحصول على النسخة العربية من نموذجكم المطور…

بعد 13 دقيقة بالضبط كان الرد قد وصلني حاملا النسخة العربية للنموذج القديم مع شكر لأهتمامي بنموذجه في بحثي , وختم رسالته بطلب مؤدب بأن أزوده بترجمتي لنموذجه حتى يضعها في ملف خاص لتقديمها لمن يطلبها في المستقبل…

أصدقكم القول بأني دُهشت كثيرا من الرد أصلاً … فضلا عن سرعته ومحتواه …

وقد راسلته لأكثر من أربع مرات وفي كل مرة لا تمر ال 24 ساعة حتى يرسل ردا ملئه التقدير والامتنان وكأنه هو المحتاج إليَّ …

تذكرت إيميلات كثيرة ارسلتها لباحثين في وطننا العربي والاسلامي - تيمنا بأسمائهم القريبة الى نفسي - للاستفسار عن بعض القضايا المتعلقة باهتماماتهم البحثية فتكون النتيجة التجاهل التام أو رد لا يسمن ولا يغني من جوع أو إيميل لا يقبل الرسائل أصلا فتعود رسالتك أدراجها بسرعة البرق …

وللإنصاف فقد وجدت بعض التجاوب وخصوصا من أساتذة جامعة الملك فهد للبترول والمعادن ولا أدري أهم كذلك مع كل باحث أم هو تحيز منهم لأبناء جامعتهم, فعادة أقدم رسائلي لهم بذكر أني من خريجي الجامعة إحياء لروح النقابة في نفوسهم …

ولئن كان الغربيين لم يسمعوا قول رسول الله صلى الله عليه وسـلم :

" من سُئل عن علم فكتمه اُلجِم يوم القيامة بلجام من نار "

لكنَّ حضارتهم الحالية قامت نتاجاً لتراكم طويل لتجربة إنسانية آمنت بالحاجة الى التعاون ورسَّخت مبادئ العطاء قبل الأخذ وطبقتها حتى أصبحت ثقافتا سائدة بينهم …

قد يقول قائل أنهم يفعلون ذلك بدافع مصلحي كرغبتهم في زيادة عدد من يستخدمون نتاجهم كمراجع مما يزيد من قيمة أبحاثهم…

فليكن ذلك … ليتعاون الناجحون فينجحوا جميعا … فالمجتمع الناجح هو مجتمع يكثر فيه أولئك الناجحون …

ومع ذلك فإني متيقن ان مما يدفعهم لعمل ذلك هو نشوة العطاء والشعور بلأهمية من خلال مساعدة الآخرين …

أعرف أن هذه الأسطر سيكون لها تبعة علي شخصيا – ولذلك أدونها - فبعد العودة إلى وطني بتوفيق الله سأتلقى بعض الاستفسارات من أناس لا يجمعني بهم سوى الاهتمام البحثي فهل سأتجاوب معهم أم سأتناسى أن هناك من ساعدني في يوم من الايام واتضاهر بأني قد وصلت درجة الكمال بنفسي فلم ولن أحتاج الى مساعدة أحد وأردد:

نفس عصام سودت عصاما

وعلمــــته الكــر والإقدامـا

نعم أحتاج نفس عصام …

ولكنَّ النفس التي تُسوِد صاحبها هي تلك النفس المتيقنة لضعفها وتقصيرها … فلا تقف عند ذلك …

بل تتخلص من هذا الضعف بالتكامل مع الآخرين والإفادة والإستفاده منهم …


* مزيد من دروس الغربة من هنا

17 فكرة عن “نفسُ عصامٍ سودت عِصاما…”

  1. السلام عليكم اخي حسن

    مقال رائع ولل السبب وراء كتابته هو اندهاشك من سرعة ارسال النسخة العربية وايضا الاسلوب المؤدب من ابرفسور عندمايعاملك في رسائله وكانه هو المحتاج وكذلك خاطرتكز
    اتمنا من الله ان يوفقنا جميعا للتعاون والتواضع في طلب العلم وخدمة العلم والاخرينز

    لي طلب فهل ستلبيه لي سريعا كما فعل البروفسور--- بخصوص موضوعك في بحثك

    هل تستطيع ان ترسل لي ملخصا لبحثك اذا كان متوفر ام مقدمة شبه شاملة لاني انا ايضا احب المواضيع التي تناقش الثقافات وخاصة المقارنة منها

    اخوك- خالد حمدي

  2. أخي حسن... السلام عليكم
    هذه من أجمل مواضيع مدونتك
    ربما لأني من أحد المهتمين بهذا المجال
    وكما قال ابو لين ... ساحتفظ أنا أيضاً يشهادتك هذه كتصريح للوصول للمعلومات المهمة لديك في هذا المجال عند الضرورة

    طبعا أعتقد أن ثقافة العمل لدينا في القديم كانت تختلف كثيراً عما هو لدينا حاليا بعد نعمة النفط ونقمته أيضاً

    أذكر جيداً عندما كان الرعيان لدينا ياخذون وجبة الغداء معهم سفري يعني "تيك أوي" ويعودون وقت الأوبة في المساء لتلتف لأسرة حول الوجبة الرئيسية ...العشاء طبعاً.
    وهذا ما وجدته ما يزال سائدا في أستراليا... عندها هزتني الذكريات وذكرت تلك السنين الماضيات يوم كنا شعب كادح لا شعب سادح.
    حيث يجيد حالياًالإنسداح بعد وجبة الغداء الدسمة وربما جرها نومة إلى ما بعد العصر.
    وبعدها يمضي ليلته ساهدا في الطرقات وزوايا المقاهي إلى ما بعد منتصف الليل... والنتيجة في اليوم التالي معروفة سلفا
    فحديث ... بورك لأمتى في بكورها... وجدته مطبقاً في الغرب بينما هو يتلاشى أو هو تلاشى في بلادي

    لا أدري هل السبب في ذلك هي نعنة النفط أم نقمته أم أن السبب هو سوء إدارة نعمةالنفط لتصبع نعم مشوبة بنقم

  3. سلمت يمناك على هذه الأسطر الرائعة
    للأسف هناك شريحة في مجتمعنا لا تحب أن تفيد الغير نهائيا
    وهناك شريحة تحب أن تفيد الناس دائما وجزاهم الله خيرا
    لكن هناك من يحب أن يعطي ولكن لا يعطي لعلمه بان هناك أناس يستغلون أعمال الغير إما بالإستفادة الكاملة بدون تغيير (السرقة الأدبية) وإما بالحسد والحقد (فلان أحسن مني) وجميع هذه الأمور منهي عنها في ديننا الإسلامي
    فالحل هو أن تتغير بعض الثقافات في مجتمعنا لأنك كما قلت
    " لكنَّ حضارتهم الحالية قامت نتاجاً لتراكم طويل لتجربة إنسانية آمنت بالحاجة الى التعاون ورسَّخت مبادىء العطاء قبل الأخذ وطبقتها حتى أصبحت ثقافتا سائدة بينهم"
    لكن ثقافتنا مبنية على أعطيني أعطيك والمصلحة إلا من رحم ربي
    ونحن ثقافتنا وحضارتنا هي الإسلام وتعاليمها مسطرة لنا في الكتاب والسنة لكن بعضنا للأسف أهملها ولم يعمل بها ، والغرب عمل بها بدون قراءة الكتاب والسنة وإنما بالمعرفة العلمية وإحترام الإنسانية
    ودمتم بخير

  4. أخي العزيز أبو المعتصم ...

    اتفق تماما مع ما جاء في نص رسالتك ... وما جاء في تعليق أخي أبو الشيماء ...

    نموذج جريت هوفستيد للعمل في بيئة متعددة الثقافات ... كان أهم النماذج التي درستها في مرحلة الماجستير ... وكان يعتبر أحد أهم أعمدة مادة اسمها (Cross cultural managements) وكانت نموذجه بالفعل عجيب لاسيما بكيفية الحصول على أعلى جودة عملية في بيئة عملية متعددة الثقافات والأعراق لاسيما بعد انتشار العولمة في اغلب أرجاء العالم و تعدد الشركات المتعددة الجنسيات بل ووصل الأمر إلى أن الشركات المحلية يوجد بها أعراق وثقافات مختلفة كما هو الحال في أرضنا الحبيبة ...

    أعود إلي صلب موضوع المقالة وهو الاستفادة من المعلومة أياً كانت من خلال تبادلها ونقلها للآخرين لتعم الفائدة مع الحفاظ على حقوق صاحب المبادرة أو الفكرة ... حيث أن هذا الأمر شبة غير موجود في مملكتنا الحبيبة ... وان اقصد هنا البيئة العملية (الأعمال سواء الحكومية أو الخاصة وان كانت تقل في الأخيرة وركز على كلمة تقل التي تدل على الوجود) وليس البيئة الأكاديمية(البحثية خصوصا)... ولك أن تتصور أن هناك مدراء على أبواب التقاعد يحتفظون بمعلومات جوهرية تخص صلب العمل ... خوفا من تفوق مرؤسيهم عليهم ... وخوفا من ضياع المركزية من الرجوع إليهم في كل كبيرة وصغيرة !!! وكأن هذه المعلومة تعتبر ملكية خاصة فيه سيتوارثها أبنائه من بعده !!! مع أيماني التام بان أي معلومة تخص العمل يجب أن يعرفها جميع من في الإدارة لأنها ليست ملكاً لاحد بل ملك للعمل نفسه ... مع التشديد على أهمية إحقاق الحق لإصحابة ... هذا إن كانت بالفعل مبادرة أو فكرة شخص معين ...
    باعتقادي الخاص انه يجب أن نزرع في أبنائنا منذ نواعم أضافرهم كيفية إدارة المعلومة وتبادلها وتطويرها من خلال مناهج تدرس في مدارسنا من المرحلة الابتدائية أو في المرحلة المتوسطة على أسوء تقدير ... على فكرة لازلت اذكر مادة كانت من اسهل مواد مرحلة الماجستير هي (Information system and knowledge management) وكانت فكرتها تدور على هذه الأساس بالإضافة إلى كيفية إدخال الأنظمة التقنية إلى بيئة الأعمال للحصول على أعلى النتائج كما ونوعاً ...

    كل عبارات الشكر والتقدير لا تفيك حقك على هذه المقالة الرائعة ... والتي دوما ما تتحفنا بكل جديد وبرؤية مختلفة وبصمة خاصة هي بصمة ابو المعتصم العجيبة ... والى الأمام ...

    تحياتي .

  5. أحسنت حبيبي أبا المعتصم؛ ولعلنا نخرج من هذا بفوائد:

    1. في كل مُجتمع –بلا استثناء- يوجد فيه الصالحون والطالحون، الإيجابيون والسلبيون، المتفائلون والمتشائمون، وقد يكثر منهم فئة على حساب الأخرى لعوامل عديدة لايمكن اختزالها في عنصرين أو ثلاثة، بل تحتاج إلى روية وعناية في البحث والتحديد.

    2. كما أسلف العنصر السابق بضرورة العناية في تحديد أسباب كثرة فئة على مُقابلتها؛ فإن هذا يُسهل علينا تحديد وسائل العلاج، وتحديد وسائل العلاج هذه ينبغي أن تُراعي حال المجتمع وواقعه ليسهل قبول الناس لها، كما يُراعي في كونها وسائل إجرائية تطبيقية واقعية تستهدف الأفراد بالدرجة الأولى، فنحن –كأفراد- تكمن قوتنا في مدى تأثيرنا على الناس من حولنا بتلمس مشاكلهم ومعالجتها من خلال واقعهم. فالابتعاد عن هذا المُحيط –ومحيط الأفراد أعني- والإسهاب فيه أمرٌ طيبٌ ولكنه ذو تأثيرٍ محدودٍ.

    ووفقنا الله وإياكم لكل خير

    رائد الغامدي

  6. ابو معاذ وأبو لين حياكم الله

    ابشر يا خالد بما يسرك

    اهلا وسهلا ابا الشيماء فقد افتقدتك

    لعل المجتمع البسيط يكون احرص على التعاون بين افراده اكثر من المجتمعات الكبيرة

    اما نعمة او النفط فلاشك انها احدثت هزة عنيفة للمجتمع لا يزال يعاني من الهزات الارتدادية التي تبعتها

    واسأل الله ان يمن علينا بالاستقرار قريبا

    "لكن ثقافتنا مبنية على أعطيني أعطيك والمصلحة إلا من رحم ربي"

    اشكرك اخي على تعليقك

    لعل ثقافة اعطيني وأعطيك نحتاجها لفتره معينة حتى نتعود على العطاء ونجد لذته

    بعدها قد ننتقل الى العطاء من اجل العطاء

  7. ابو ريان مرحبا بك وبمتابعتك الدائمة

    انت تركز على التبادل المعرفي في اطار المؤسسة وأثر الثقافة عليه وهذا بالضبط ما أحاول قياسه في بحثي الحالي

    رائد الغامدي

    مشكور على اضافتك

    فعلا نحتاج ان نركز على الفرد بشكل أكبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top