بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله...
عادت بي الذاكرة إلى أزقة قريتي الصغيرة – العشة – هناك في محافظة صبيا بجنوب المملكة العربة السعودية. وقبل ما يزيد عن خمسة عشر عاما, حين كنت أتنقل من دكان إلى آخر, أفتش في الثلاجة وأحيانا في الصناديق المرصوصة بجانبها . أفتش عن عصير سن توب.
ابحث عنه لا لأشربه, بل أبحث عن صورة وحيد القرن فلم يبقى إلا هي ليكتمل الدفتر. و لكني لم أجدها فأصبحت أترقب وصول موزع البضائع عله يحضر دفعة جديدة لأحد الدكاكين يكون من بينها تلك الصورة الغالية.
استمر بيَ الحال أياما, و أخيرا وجدتها ... فكأنما ظفرت بأغلى صورة في حياتي. انطلقت مسرعا إلى البيت لأكمل الدفتر الذي طالما قلبته طويلا حتى حفظت كثيرا من المعلومات الشيقة الموجودة في صفحاته. في تلك الليلة لم أنم حتى وضعته في مظروف وطلبت من أخي كتابة العنوان بخط واضح فخطي لا يُقرأ. و أوصيت أخي الذي يدرس في القرية المجاورة أن يوصله لمكتب البريد في تلك القرية.
ودعت المظروف كما تودع الأم طفلها المسافر , بل ربما بولع أشد ...
ودعته وبودي لو يودعني ... صفو الحياة وأني لا أودعه
انتظرت طويلا أمني نفسي بقبعة أو فنيلة أو ربما راديو تحمل صورة السيد سن توب . ولكن الدفتر ذهب ولم يعد لا هو ولا الجائزة المنتظرة...
لقد ذهب الحمار بأم عمرو ... فلا رجعت ولا رجع الحمار
هذه الحادثة تركت آثارها على علاقتي بالبريد لزمن ليس بالقصير, فقد فقدت الثقة ومن الصعب أن تعود, و منذ ذلك الحين أصبحت العلاقة بيني وبين البريد يشوبها شائبة. خصوصا أني كأقراني لا نتعامل مع البريد إلا في القليل النادر.
حين سافرت للدراسة في مدينة قولد كوست بأستراليا في عام 2005, بدأت هذه العلاقة بالتحسن منذ الأسابيع الأولى من وصولي , وإن كانت لم تخلوا من توجس. فبطاقتي البنكية واستمارة تسجيل السيارة وبطاقة التأمين الصحي, كلها جاءتني في صندوق البريد الخاص بي والذي يقع أمام منزلي مباشرة.
لكن تلك العلاقة التي بدأت مترددة مرت بمحك صعب, و ذلك حين فكرت أن اجعل رحلة العودة إلى الوطن عن طريق سنغافورا للتعرف على بلد جديد. ولكني علمت بضرورة الحصول على فيزا للدخول لسنغافورا, ومن ضمن إجراءات الفيزا إرسال جواز السفر للسفارة السنغافورية في كانبرا.
ترددت كثيرا, بل أصدقكم القول أني فكرت في التراجع عن فكرة المرور بسنغافورا كما فعل احد زملائي حين علم بضرورة إرسال الجواز بالبريد. فثقتنا في البريد ضعيفة جدا ولا نريد المخاطرة بجوازاتنا.
توكلت على الله ووضعت الجوازات في المظروف ثم عوذته بالله من كل شر وقلبته مترددا, ولكني في النهاية وضعته في الصندوق المخصص للرسائل المرسلة بعدما نظرت إليها نظرة مودع مشفق ذكرتني بوداعي لدفتر سن توب. ومنذ ذلك اليوم أعتدت النظر إلى صندوق البريد بشكل يومي علي أجد فيه بغيتي, و بعد أيام ليست بالكثيرة يسر الله وجاءني مظروف يحمل جوازاتي. فتنفست الصعداء وشكرت الله على منه وفضله.
محك آخر تعرضت له علاقتنا, وذلك بعد عمل الحجوزات من مكتب الخطوط السعودية في ماليزيا, فقد طلبوا مني عنواني البريدي لإرسال التذاكر عليه فقلت هذه طامة ثانية فالتذاكر تتجاوز قيمتها الستون ألف ريال . ولكنها وصلت - بفضل الله - إلى صندوق البريد وخلال يومين فقط.
في الحقيقة عادت ثقتي في البريد واستمرت العلاقة بيننا على خير ما يرام فبادلته وفاء بوفاء, فأرسلت واستقبلت الرسائل تلو الرسائل المسجل - أحيانا - فهو مضمون الوصول في اليوم التالي و العادي - في اغلب الأحيان - فهو يصل كثيرا في اليوم التالي وإن تأخر فبعد يوم أو يومين على ابعد تقدير.
لم استخدم هنا فدبكس أو دي اتش ال فالبريد الحكومي يقوم بعمله على خير ما يرام دون نقص أو تأخير وهو يصل إلى القرى النائية ورؤوس الجبال كما يصل إلى أي منزل أو دكان في المدينة. بل إن العنوان البريدي لأي شخص يعادل أهمية الاسم في التعريف بهويته. فهناك ثلاثة أسئلة للتأكد من الهوية وهي عن (الاسم, العنوان البريدي, تاريخ الميلاد). وأما مكاتب البريد – المنتشرة في كل حي - فتقوم بخدمات عدة كتسديد الفواتير ودفع المخالفات المرورية.
ما دفعني لكتابة هذا المقال استقبالي لشحنة من الكتب جاءتني قبل أربعة أيام من أمريكا خلال اقل من 60 ساعة من طلبي لها, كما وصلني كتاب طلبته من نيوزلندا في اقل من 48 ساعة. هذا بالإضافة لاستقبالي في الأيام القليلة الماضية - كغيري ممن يسكن هنا - العديد من الرسائل من الجامعة والبنك وشركة الاتصالات و العديد من الرسائل التي تصل بشكل شبه يومي دون تأخير أو خطأ في العنوان في الغالب.
أما حين غادرت المملكة عام 2005 فلم أكن قد قمت بإرسال أي رسالة في حياتي باستخدام البريد - غير رسالة دفتر سن توب - كما أني لا أملك أي عنوان بريدي واضح يمكن الوصول إليه ولا أدري ما هو حال البريد الآن. وإن كنت لاحظت عند عودتي في الإجازة صناديق بريد على جدار منزلنا بمدينة الرياض ومع ذلك فقد شاهدت أيضا بعض تلك الصناديق التي تشكو من أيدي العابثين.
لفت نظري وصول بطاقة الصراف الآلي الخاصة بي من أحد البنوك السعودية من خلال شاب يعمل بسيارته الخاصة لدى شركة خدمات بريدية. ولا تسل هنا عن صعوبة الوصف له ليصل إليك, فلا يوجد عنوان بريدي واضح مع عدم اختصاص واحترافية ذلك الشاب
سمعت عن مشروع واصل وغيرها من الخطط بل قرأت خبر يقول أن " البريد السعودي قد حصد جائزة World Mail Awards 2007 وهي جائزة البريد العالمي للتطوير والتحديث التي نافس بها البريد السعودي على مستوى العالم".
أتمنى من كل قلبي أن يكون البريد بالفعل قد حقق هذه القفزات وإن كنت اعتقد أن أمامنا مشوار طويل لننعم ببريد حكومي على مستوى عالي من التنافسية والاحترافية في الأداء يستطيع أن يكسب ثقة الأفراد و المؤسسات على حد سواء.
آمل أن يكون ذلك اليوم قريبا …
روابط ذات علاقة:



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي الحبيب أبو المعتصم مقال أكثر من رائع لقد كتبت المقال بطريقة احترافية جداً
لقد اعجبني كثيراً
سلمت يداك يا ابا المعتصم
اخوك /حسن الفيفي
فهد ما شاء الله عليك متابع دائم
وئام
ننتظر ذكرياتك
ابو شيخة
البنية التحتية هي ثقافة المجتمع
ابو لين تجربة مماثلة
ابو فايز
شكرا على مشاعرك
بندر
الشكر لك على تعليقك
احمد ابو عيشة ترى مكتب البريد عندكم في العالية
افهد عواجي
متابع دائم للمدونه فشكرا للك
م فهد الحاسر
فرحت كثيرا بتواصلك
يحيى اسماعيل
من الدهناء الجميلة
علي القاسم
دائما لديك الجديد
ابو مراد
ترى دكانكم هو اكبر مصدر للصور النادره
رحم الله عمي محمد
نوار متابع اتشرف به
متمردة
تجربة أخرى
م حسن
تعليقك منور المدونة
حياك الله أخي أبو المعتصم
ويعطيك العافية على مقالك الرائع والذي أضحكني وأبكاني في نفس الوقت فقد أضحكتني بصورة السن توب وذكرتني بجمع الصور وأنني اشتريت في مرة من المرات عصير سن توب بريالين لأن صاحب الدكان اشترط علي أن أدفع ريال اضافي لأتمكن من البحث كما أريد ولكني مع الأسف لم أتمكن من اكمال دفتري كما فعلت أنت فكانت تنقصني صورة الفيل :(
أما ما أبكاني فهو حال بريدنا في المملكة وإضطرارنا في بعض الأحيان للذهاب للمطار ومطالبة أحد المسافرين وترجيه أن يأخذ رسالتك لمن سينتظره في المطار الآخر، وما قهرني أكثر أنني أكتب هذا الرد وأنا الآن في القاهرة ورأيت ما بها من عشوائية في مبانيها وشوارعها ومع ذلك فالبريد ومنذ ما يزيد عن ستين عاماً يصلك حتى باب شقتك ولو كانت في سطوح عمارة تتكون من عشرة أدوار وليس فيها أصنصير!!!!؟
طبعاً بالتأكيد فالثقافة لدينا تحتاج إلى رقي وخير مثال ما حدث لصناديق واصل التي تم تركيبها على منازلنا في الرياض، ولكن في نفس الوقت طريقة التنفيذ كانت خاطئة وسيئة فنحن مثلاً لم يسألونا حتى أين تريدون أن يتم تركيب الصندوق!!؟
عموماً هذا الموضوع ذو شجون وأعتقد أن حله سهل وبسيط مع الدعم الحكومي الحالي ولكن الحل يحتاج إلى مناقشة وأن يكون منطقي وقابل للتنفيذ وليس مجرد أفكار يطرحها بعض أصحاب القرار ويتم تنفيذها دون أن يتم مناقشة كافة الأبعاد لهذا الحل.........
أشكرك مرة أخرى
أخوك الأمين، أبو عبدالملك
ابو مغاذ يحببك
بنك الراجحي لم يفعل خدمة واضل حتى الان
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحييك على هذا الاسلوب المميز وعلى هذا المقال الرائع
الحقيقة لاأظن أن هناك صندوق بريد واحد بقى سليماً ، لأن بعض الجهال يظنون أن بداخل هذه الصناديق اموال أو مجوهرات
والدليل لم أرى صندوقاً إلا وتم تدميره بشكل كامل أو جزئي
لا أدري عن ماذا يبحثون ...
على العموم ردك الله إلى وطنك سالماً غانماً
أبو المعتصم السلام عليكم
لقد أسمعت إذا ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي
أبشرك صناديق البريد بعيت في السكراب بعد عبث فلاذات أكبادنا بها ورسائلنا مضت مع دفتر ك ( سن توب )
محبك أحمد زنقوطي
أخي وأستاذي حسن شوقي
لك مني التحية والتقدير والأحترام فقد شدني قلمك وأدهشتني كلماتك فليس هذا غريب على مبدع مثلك فكل من أتى بعدك فهو تلميذك
أخوك أبو الحسن
علي محمد الحازمي
لو تتركنا من السن توب يابو المعتصم وتكتب عن مكأفاة مرافقين المبتعثين الي لهفتها الوزارات من فم الطالب وتضاربت التصاريح فيها مابين وزير التعليم العالي ومابين وكيل وزاراته كل واحد يقول تصريح مناقض للاخر!!!