جائزة سن توب ام جوازسفري

mk46848_pasport suntopnew_pic

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله...

عادت بي الذاكرة إلى أزقة قريتي الصغيرة – العشة – هناك في محافظة صبيا بجنوب المملكة العربة السعودية. وقبل ما يزيد عن خمسة عشر عاما, حين كنت أتنقل من دكان إلى آخر, أفتش في الثلاجة وأحيانا في الصناديق المرصوصة بجانبها . أفتش عن عصير سن توب.

ابحث عنه لا لأشربه, بل أبحث عن صورة وحيد القرن فلم يبقى إلا هي ليكتمل الدفتر. و لكني لم أجدها فأصبحت أترقب وصول موزع البضائع عله يحضر دفعة جديدة لأحد الدكاكين يكون من بينها تلك الصورة الغالية.

استمر بيَ الحال أياما, و أخيرا وجدتها ... فكأنما ظفرت بأغلى صورة في حياتي. انطلقت مسرعا إلى البيت لأكمل الدفتر الذي طالما قلبته طويلا حتى حفظت كثيرا من المعلومات الشيقة الموجودة في صفحاته. في تلك الليلة لم أنم حتى وضعته في مظروف وطلبت من أخي كتابة العنوان بخط واضح فخطي لا يُقرأ. و أوصيت أخي الذي يدرس في القرية المجاورة أن يوصله لمكتب البريد في تلك القرية.

ودعت المظروف كما تودع الأم طفلها المسافر , بل ربما بولع أشد ...

ودعته وبودي لو يودعني ... صفو الحياة وأني لا أودعه

انتظرت طويلا أمني نفسي بقبعة أو فنيلة أو ربما راديو تحمل صورة السيد سن توب . ولكن الدفتر ذهب ولم يعد لا هو ولا الجائزة المنتظرة...

لقد ذهب الحمار بأم عمرو ... فلا رجعت ولا رجع الحمار

هذه الحادثة تركت آثارها على علاقتي بالبريد لزمن ليس بالقصير, فقد فقدت الثقة ومن الصعب أن تعود, و منذ ذلك الحين أصبحت العلاقة بيني وبين البريد يشوبها شائبة. خصوصا أني كأقراني لا نتعامل مع البريد إلا في القليل النادر.

حين سافرت للدراسة في مدينة قولد كوست بأستراليا في عام 2005, بدأت هذه العلاقة بالتحسن منذ الأسابيع الأولى من وصولي , وإن كانت لم تخلوا من توجس. فبطاقتي البنكية واستمارة تسجيل السيارة وبطاقة التأمين الصحي, كلها جاءتني في صندوق البريد الخاص بي والذي يقع أمام منزلي مباشرة.

لكن تلك العلاقة التي بدأت مترددة مرت بمحك صعب, و ذلك حين فكرت أن اجعل رحلة العودة إلى الوطن عن طريق سنغافورا للتعرف على بلد جديد. ولكني علمت بضرورة الحصول على فيزا للدخول لسنغافورا, ومن ضمن إجراءات الفيزا إرسال جواز السفر للسفارة السنغافورية في كانبرا.

ترددت كثيرا, بل أصدقكم القول أني فكرت في التراجع عن فكرة المرور بسنغافورا كما فعل احد زملائي حين علم بضرورة إرسال الجواز بالبريد. فثقتنا في البريد ضعيفة جدا ولا نريد المخاطرة بجوازاتنا.

توكلت على الله ووضعت الجوازات في المظروف ثم عوذته بالله من كل شر وقلبته مترددا, ولكني في النهاية وضعته في الصندوق المخصص للرسائل المرسلة بعدما نظرت إليها نظرة مودع مشفق ذكرتني بوداعي لدفتر سن توب. ومنذ ذلك اليوم أعتدت النظر إلى صندوق البريد بشكل يومي علي أجد فيه بغيتي, و بعد أيام ليست بالكثيرة يسر الله وجاءني مظروف يحمل جوازاتي. فتنفست الصعداء وشكرت الله على منه وفضله.

محك آخر تعرضت له علاقتنا, وذلك بعد عمل الحجوزات من مكتب الخطوط السعودية في ماليزيا, فقد طلبوا مني عنواني البريدي لإرسال التذاكر عليه فقلت هذه طامة ثانية فالتذاكر تتجاوز قيمتها الستون ألف ريال . ولكنها وصلت - بفضل الله - إلى صندوق البريد وخلال يومين فقط.

في الحقيقة عادت ثقتي في البريد واستمرت العلاقة بيننا على خير ما يرام فبادلته وفاء بوفاء, فأرسلت واستقبلت الرسائل تلو الرسائل المسجل - أحيانا - فهو مضمون الوصول في اليوم التالي و العادي - في اغلب الأحيان - فهو يصل كثيرا في اليوم التالي وإن تأخر فبعد يوم أو يومين على ابعد تقدير.

لم استخدم هنا فدبكس أو دي اتش ال فالبريد الحكومي يقوم بعمله على خير ما يرام دون نقص أو تأخير وهو يصل إلى القرى النائية ورؤوس الجبال كما يصل إلى أي منزل أو دكان في المدينة. بل إن العنوان البريدي لأي شخص يعادل أهمية الاسم في التعريف بهويته. فهناك ثلاثة أسئلة للتأكد من الهوية وهي عن (الاسم, العنوان البريدي, تاريخ الميلاد). وأما مكاتب البريد – المنتشرة في كل حي - فتقوم بخدمات عدة كتسديد الفواتير ودفع المخالفات المرورية.

ما دفعني لكتابة هذا المقال استقبالي لشحنة من الكتب جاءتني قبل أربعة أيام من أمريكا خلال اقل من 60 ساعة من طلبي لها, كما وصلني كتاب طلبته من نيوزلندا في اقل من 48 ساعة. هذا بالإضافة لاستقبالي في الأيام القليلة الماضية - كغيري ممن يسكن هنا - العديد من الرسائل من الجامعة والبنك وشركة الاتصالات و العديد من الرسائل التي تصل بشكل شبه يومي دون تأخير أو خطأ في العنوان في الغالب.

أما حين غادرت المملكة عام 2005 فلم أكن قد قمت بإرسال أي رسالة في حياتي باستخدام البريد - غير رسالة دفتر سن توب - كما أني لا أملك أي عنوان بريدي واضح يمكن الوصول إليه ولا أدري ما هو حال البريد الآن. وإن كنت لاحظت عند عودتي في الإجازة صناديق بريد على جدار منزلنا بمدينة الرياض ومع ذلك فقد شاهدت أيضا بعض تلك الصناديق التي تشكو من أيدي العابثين.

لفت نظري وصول بطاقة الصراف الآلي الخاصة بي من أحد البنوك السعودية من خلال شاب يعمل بسيارته الخاصة لدى شركة خدمات بريدية. ولا تسل هنا عن صعوبة الوصف له ليصل إليك, فلا يوجد عنوان بريدي واضح مع عدم اختصاص واحترافية ذلك الشاب

سمعت عن مشروع واصل وغيرها من الخطط بل قرأت خبر يقول أن " البريد السعودي قد حصد جائزة World Mail Awards 2007 وهي جائزة البريد العالمي للتطوير والتحديث التي نافس بها البريد السعودي على مستوى العالم".

أتمنى من كل قلبي أن يكون البريد بالفعل قد حقق هذه القفزات وإن كنت اعتقد أن أمامنا مشوار طويل لننعم ببريد حكومي على مستوى عالي من التنافسية والاحترافية في الأداء يستطيع أن يكسب ثقة الأفراد و المؤسسات على حد سواء.

آمل أن يكون ذلك اليوم قريبا …


روابط ذات علاقة:

  • رابط المقال في سبق
  • مزيد من دروس الغربة من هنا
  • حصل المقال على وسام التميز من منتديات جازان, من هنا

58 فكرة عن “جائزة سن توب ام جوازسفري”

  1. مقال راقي ورائع كشخصك الكريم ..

    فذكريات الطفولة عادة مترسخ بداخلنا ..

    وتبني لنا فكره محدده عن ماحولنا ..

    في حين تركانها كما هي ..

    :

    ولكن قد تتتغير تلك لمفاهيم ..

    ما ان اجبرتنا حياتنا على تغييرها ..

    :

    دمت متألقاً

  2. أخي حسن

    الأمور في تطور و لله الحمد

    فبإمكانك في هذا الزمن متابعة سير بريدك خطوة بخطوة من خلال الإنترنت

    و اختلفت الأمور كثيراً فاستبدلت الدفاتر و السجلات ببرامج كمبيوترية حديثة

    تضمن لك بريدك بل و تؤمنه لك إن أردت

    فتتكفل بجميع المصاريف التي قد يتعرض لها من تلف أو ضياع لا قدر الله

    فالحمدلله و الشكر له أولاً و أخيراً على هذه النعمة الكبيرة

    أخيراً أشكرك على هذا الأسلوب الرائع في السرد و يستاهل أن يكون موضوع مميز

    تحية طيبة

  3. تشابهت التجارب بيننا وكأن سنتوب ودفتره لن يذهب من ذاكرتنا وقصص أخرى أعتقد بأن الطرد فيها ذهب ولم يعد ... هذا فقط في أرض الوطن ...

    لكن هنا يختلف كل شئ وكما ذكرت في مقالك .. بأن عنوانك البريدي يوازي اسمك وتاريخ ميلادك ولا تقلق أبداً إن كنت في دولة غربية أما إن كنت في السعودية فلا بد أن تقلق وإلا فالنتائج ستكون حتماً غير مرضية
    لكن الأمل بدأ في الظهور عندما استقبلت أخر رسالة ( ثقيلة ) من أهلي في أقل من 10 أيام عبر البريد السعودي ...

    كل الود لك

  4. الاخ حسن تحيه طيبه
    جميل اسلوبك في الكتابه بل رائع وطريقة سردك لموضوع البريد مشوقه بداءً من دفتر السانتوب والذكريات الجميله على قول اخواننا المصريين (بيفكرنا بالزمن الجميل)الى ان سافرت طلبا للعلم ولكن يبدوا ان ثقتك بالبريد لاتزال مهزوزه وهذا هو طبيعة الحال وهذا هو الواقع نتمنى ان يربقي البريد لدينا كما هو في الدول المنقدمه .
    وبالتوفيق للجيمع

  5. مرحباً بك .. أخ / حسن

    * تجربتي مع البريد في جازان أحسن منك حالاً .. رغم ضياع بعض مشاركاتي الإعلامية في بداية خطواتي بالصحافة ..

    إلا أن علاقتي بالسيد ( اضغط على الصورة لرؤيتها بمقاسها الأصلي ) .. قوية ومتينة مثل علاقة أخي ( وليد الذكريات ) .. لدرجة أنهم كانوا يراسلوني وأنا في المرحلة الثانوية ..

    خالد شريفي

  6. مقال غاية في الروعه والجمال

    ولكن .. ! جميعنا نعلم أن خدمة البريد في أغلب الدول العربية سيئ لدرجة لاتوصف في اليمن مثلاً وأنا قد جربت ذلك أثناء وصول بعض الأوراق وبعض الشيكات الخاصه بي من بعض الشركات التي أعلن لها لدي قد يتأخر وقد يصل مدة تأخرة إلى شهر ونصف الشهر في بعض الأحيان

    فـ أعان الله الجميع على البريد ..

    علي بورجي

  7. مقال رائع جدا ,,,

    ليس لي تجارب مع البريد ,,,

    ولكنني انجذبت الى ما كتبتهـ باسلوبكـ الرائع وطرحكـ الراقي ,,,

    واحببت ان يكون اسمي في صفحتكـ الرائعهـ وبين هذهـ

    الاقلام ,,

    لكـ كل الشكر ,,,, مع فائق احترامي ,,,

    ريماز

  8. مقال جميل وأسلوب حلو في السرد

    لي تجربة معاهم قبل كم سنة فتحت حساب في أحد البنوك

    وإنتظرتهم شهر كامل عشان يرسلو البطاقة و بعدها راجعتهم

    قالو أرسلناها مرتين وما إستلمتيها ورجعت لنا هم طبعا" ما أرسلوها

    لأني كنت كل يومين أشيك على صندوق البريد وما ألقاها

    و طلبت منهم يطلعوها أثناء وجودي عندهم في الفرع وعدم إرسالها بالبريد وتم لي ذلك

    شكرا" لك أخي حسن

  9. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    تحية طيبة ،،،،

    تجربتي مع البريد حديثة جدا(طري!!!)

    استأجرت بريدا ومضى عليه سنه ولم يستقبل أي

    شيء سوى المنشفة !!!! التي ينظف العامل بها الصناديق!!!

    وبعد السنة 1429 بدأت السنة 1430 وكان لزاما علي تجديده وإلا وكما

    أخبرني الموظف بقوله : " إلم تجدده فبالتأكيد سيذهب لغيرك "

    فاضطررت لتجديده لأني قد اشتريت جهاز "بيو ديسك "من إحدى الشركات

    بقيمة 2300 ريال سعودي في شهر ذي القعدة من العام 29 وأرسلته على صندوق بريدي

    في أبو عريش وإلى الآن لم يصل الجهاز وفي كل مره أراجع المكتب فيرد علي الموظف

    بقوله يمكن جهاز ممنوع وتارة يقول الشركة سارقة وأنا قلت في نفسي "والله أمسرق البريد

    السعودي" هذا موقف ، الموقف الآخر أنني حينما اشتركت في الصندوق اخترت أن يكون عائلي

    وهو متاح حسب ماقال لي الموظف لعشرة أشخاااص ولكل من تعرف فطلب مني أحد الأصدقاء

    الأعزاء الرمز البريدي ورقم الصندوق فأخبرته بالرقم ليرسل عليه صرافة الأهلي من البنك فرع جازان

    وفي النهاية لم تصل ونتسائل عن الأسباب من الطرفين البنك يقول أرسلت الصرافة والبريد يقول قد يكون

    الشخص هذا ليس من ضمن المسجلين في البريد مع أنني لم أعطي صديقي الرقم إلا بعد أن تأكدت منهم

    هل تصل حاجة صديقي وهو ليس مسجل في الصندوق فقالوا نعم تصل !!!! وفي النهاية لم تصل

    واضطر صديقي حفظه الله إلى دفع خمسين ريالا للصرافة !!!!!!

    وأخي الأكبر مسجل في الصندوق ودائما يطلب من البنك سامبا والبنك الراجحي كشوف حسابات ولا

    تصل فإلى متى سنظل على هذه الحاله يا البريد السعودي وأنا أتسائل والكل قد تسائل

    كيف حصل على الجائزة في العام 2007 ؟!!!!!!!!!!!! نأسف على الإطالة يا إخوان ،،،،

    شكر خااااااااص لك يا مهندس حسن على هذا الموضوع الذي استحق التميز بكل كلمة فيه

    وتقبل تحياتي : المحاربN

  10. والله اول ما قرأت الموضوع وبالتحديد ((((صورة وحيد القرن فلم يبقى إلا هي ليكتمل الدفتر)))رجعت بي الذاكره الى الوراء ايام الدراسه وتجميع ملصقات سن توب 00
    مشكووووووووووووووووور اخوي على الموضوع الجميل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top